أخبار العالم

أردوغان يرفض الانتقادات الأوروبية للاتفاقية البحرية مع ليبيا ويتمسك بموقف أنقرة

جدّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان دفاعه عن الاتفاقية البحرية الموقعة بين تركيا وليبيا، معتبرًا أن ردود فعل الاتحاد الأوروبي وأطراف دولية وإقليمية أخرى على المصادقة الليبية الأخيرة على الاتفاقية «لا تستند إلى أي أساس قانوني مشروع». وأكد أردوغان أن بلاده لا تسعى إلى تحقيق مكاسب على حساب أي طرف في شرق البحر الأبيض المتوسط، مشددًا على ضرورة احترام إرادة تركيا وليبيا، ورافضًا ما وصفه بمحاولات إقصاء أنقرة من المعادلات الاستراتيجية في المنطقة. وتأتي هذه التصريحات في سياق تجدد الخلافات بشأن ترسيم الحدود البحرية وحقوق استغلال الموارد الطبيعية في شرق المتوسط، عقب مصادقة مجلس النواب الليبي، المتمركز في شرق البلاد، على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين أنقرة وطرابلس سنة 2019، في خطوة أعادت الملف إلى واجهة التوترات الدبلوماسية الإقليمية.

الاتفاقية البحرية تعود إلى الواجهة بعد مصادقة مجلس النواب الليبي

تعود جذور الخلاف إلى نوفمبر 2019، عندما وقّعت تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية، التي كانت تتخذ من طرابلس مقرًا لها، مذكرة تفاهم بشأن ترسيم مناطق الاختصاص البحري في البحر الأبيض المتوسط. وجاء الاتفاق في إطار تقارب سياسي وأمني بين الطرفين، في مرحلة كانت فيها ليبيا تشهد تصعيدًا عسكريًا واسعًا، خصوصًا مع الهجوم الذي شنته القوات التابعة للقيادة العامة بقيادة خليفة حفتر على العاصمة طرابلس.

وقد مثّلت الاتفاقية آنذاك خطوة استراتيجية بالنسبة إلى أنقرة، إذ أتاحت لها تقديم تصور قانوني لترسيم الحدود البحرية يأخذ في الاعتبار موقع الساحل التركي والساحل الليبي، ويعزز مطالبها المتعلقة بالمناطق البحرية وحقوق استكشاف الموارد الطبيعية. كما منحت الحكومة الليبية في طرابلس شريكًا إقليميًا مهمًا في سياق الصراع الداخلي، وأسهمت في توسيع نطاق التعاون بين الجانبين ليشمل ملفات الأمن والدفاع والطاقة.

غير أن الاتفاقية واجهت منذ توقيعها اعتراضات من اليونان وقبرص ومصر، التي اعتبرت أن الترسيم المقترح يتجاهل حقوقها البحرية، ولا سيما الحقوق التي تستند إليها اليونان فيما يتعلق بالجزر الواقعة في شرق المتوسط، وفي مقدمتها جزيرة كريت. كما شكك الاتحاد الأوروبي في توافق الاتفاقية مع قواعد القانون الدولي للبحار، معتبرًا أنها تمس الحقوق السيادية لدول أخرى.

وفي تطور لافت، صادق مجلس النواب الليبي في 20 أكتوبر 2026 بالإجماع على الاتفاقية، بعد سنوات من معارضته لها. وشكّل القرار تحولًا في موقف المؤسسة التشريعية الموجودة في شرق ليبيا، التي كانت قد اتخذت سابقًا خطوات رافضة للاتفاقات الموقعة مع تركيا. كما ألغى المجلس قرارين صادرين سنة 2020، أحدهما يرفض الاتفاقات التركية الليبية والآخر يتعلق بقطع العلاقات السياسية مع أنقرة.

وتكتسب هذه المصادقة أهمية خاصة لأنها لا تقتصر على تأكيد اتفاق سبق توقيعه، بل تعكس تغيرًا في مقاربة السلطات الموجودة في شرق ليبيا للعلاقات مع تركيا، بعد سنوات من التنافس السياسي والعسكري بين الطرفين. كما تفتح المجال أمام مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي والسياسي، في ظل سعي أنقرة إلى توسيع علاقاتها مع مختلف مراكز السلطة الليبية.

أردوغان يتمسك بالسيادة البحرية ويرفض محاولات إقصاء تركيا

تعكس تصريحات أردوغان تمسك أنقرة بموقفها القائم على اعتبار الاتفاقية البحرية مع ليبيا إطارًا ثنائيًا مشروعًا لتنظيم الحقوق البحرية بين دولتين ساحليتين. وترى تركيا أن تحديد المناطق البحرية ينبغي أن يتم من خلال التفاوض والاتفاق بين الدول المعنية، وفقًا لمبادئ الإنصاف ومراعاة المصالح المتبادلة، بدلًا من إخضاع الاتفاقات الثنائية لاعتراضات أطراف ثالثة.

وفي هذا السياق، شدد الرئيس التركي على أن بلاده لا تسعى إلى الاستحواذ على حقوق الآخرين أو تحقيق مكاسب على حساب الدول المجاورة، مؤكدًا أن محاولات استبعاد تركيا من شرق المتوسط تتعارض مع واقعها الجغرافي ومصالحها الاستراتيجية. كما دعا الأطراف المعنية إلى تبني مقاربة بنّاءة تقوم على الحوار والتعاون، بدلًا من تصعيد الخلافات القانونية والسياسية.

ويعكس هذا الخطاب رغبة أنقرة في تثبيت موقعها بوصفها فاعلًا رئيسيًا في معادلات شرق المتوسط، وعدم السماح بتهميشها في ترتيبات استغلال الموارد البحرية أو تحديد مناطق النفوذ الاقتصادي. فتركيا تنظر إلى البحر المتوسط باعتباره مجالًا حيويًا يرتبط بأمنها القومي ومصالحها الاقتصادية، خصوصًا في ظل التنافس على موارد الطاقة وتطور الشراكات الإقليمية المتعلقة بالتنقيب عن الغاز الطبيعي.

ومن هذا المنطلق، لا تنفصل تصريحات أردوغان عن استراتيجية تركية أوسع تهدف إلى تعزيز الحضور السياسي والاقتصادي في المنطقة، وتوسيع شبكة العلاقات مع الدول المطلة على المتوسط، بما يتيح لأنقرة الدفاع عن مطالبها البحرية ومواجهة التحالفات التي تعتبرها مقيّدة لدورها الإقليمي.

الاتحاد الأوروبي واليونان: اعتراضات قانونية ومخاوف من تغيير موازين شرق المتوسط

في المقابل، جدّد الاتحاد الأوروبي رفضه للاتفاقية، معتبرًا أن المصادقة عليها من جانب مجلس النواب الليبي لا تغيّر موقفه القانوني منها. ففي بيان صدر في 21 أكتوبر الجاري، أعرب الاتحاد عن أسفه للمصادقة، مؤكدًا أن الاتفاقية تمس الحقوق السيادية لدول ثالثة ولا تتوافق، وفق تقييمه، مع قانون البحار، وأنها لا يمكن أن تنتج آثارًا قانونية في مواجهة الدول الأخرى.

ويستند الموقف الأوروبي إلى ضرورة احترام القواعد المنظمة لترسيم المناطق البحرية، وإلى اعتبار أن الاتفاقات الثنائية لا يمكنها، من وجهة نظره، الانتقاص من الحقوق البحرية التي تتمتع بها الدول الأخرى بموجب القانون الدولي. كما أعاد الاتحاد تأكيد تضامنه مع اليونان وقبرص، داعيًا جميع الدول إلى احترام الحقوق السيادية للدول الأعضاء في الاتحاد، وفقًا للقانون الدولي، بما في ذلك اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.

أما اليونان، فتعتبر الاتفاقية غير قانونية وغير نافذة، وتؤكد أنها تتجاهل الحقوق البحرية للجزر اليونانية، بما فيها كريت، ولا تستند إلى أساس جغرافي وقانوني مقبول لترسيم الحدود بين البلدين. وترى أثينا أن الاتفاقية التركية الليبية تتعارض مع مطالبها المتعلقة بمناطقها الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وهو ما يجعلها ملفًا مركزيًا في سياستها الخارجية وفي علاقاتها مع تركيا.

وفي 26 أكتوبر، أصدرت اليونان والاتحاد الأوروبي وقبرص ومصر والبحرين والإمارات العربية المتحدة بيانًا مشتركًا في الأمم المتحدة عبّرت فيه عن رفضها الاتفاقية، معتبرة أنها لا تصلح أساسًا قانونيًا لترسيم المناطق البحرية، ولا يجوز أن تنتج آثارًا تمس حقوق الدول الأخرى. كما حذّرت الأطراف الموقعة من أن تجاهل القواعد الدولية المعمول بها قد يشكل سابقة تهدد استقرار العلاقات بين الدول في شرق المتوسط.

ويكشف هذا الموقف المشترك عن اتساع نطاق الخلاف، إذ لم يعد مقتصرًا على التباين التركي اليوناني، بل بات مرتبطًا بتوازنات إقليمية أوسع، تشمل مصالح مصر وقبرص والاتحاد الأوروبي في مجالات الطاقة والأمن البحري والتعاون الاقتصادي.

الطاقة والغاز الطبيعي: الرهان الاقتصادي وراء الصراع البحري

يمثل التنافس على موارد الطاقة أحد أبرز العوامل التي تفسر حساسية الاتفاقية التركية الليبية. فقد تحوّل شرق المتوسط خلال السنوات الماضية إلى منطقة ذات أهمية متزايدة في الحسابات الاقتصادية والاستراتيجية، بعد اكتشاف احتياطيات مهمة من الغاز الطبيعي وتكثيف أنشطة الاستكشاف والتنقيب في عدد من المناطق البحرية.

وتسعى الدول المطلة على المنطقة إلى تأمين حقوقها في استغلال الموارد الطبيعية، وتوسيع فرص التعاون في مجالات الإنتاج والنقل والتصدير. وفي هذا السياق، ترتبط الحدود البحرية مباشرة بإمكانية منح تراخيص التنقيب، وتحديد المناطق التي يمكن للدول والشركات الاستثمار فيها، فضلًا عن رسم المسارات المحتملة لمشروعات الطاقة الإقليمية.

بالنسبة إلى تركيا، تمثل الاتفاقية مع ليبيا أداة لتعزيز مطالبها البحرية وتوسيع نطاق حضورها في ترتيبات الطاقة بشرق المتوسط. كما تمنحها إمكانية التفاوض مع طرابلس بشأن مشاريع مستقبلية في مجالات التنقيب والاستكشاف والتعاون الاقتصادي البحري.

أما بالنسبة إلى ليبيا، فإن الاتفاقية ترتبط بإمكانية تعزيز الاستفادة من موقعها الجغرافي وساحلها المتوسطي، وتوسيع شراكاتها الاقتصادية، خصوصًا في ظل الحاجة إلى تنويع الاستثمارات ودعم المؤسسات الاقتصادية في بلد يعاني انقسامًا سياسيًا مستمرًا.

في المقابل، تخشى اليونان ومصر وقبرص أن يؤدي تثبيت الترسيم التركي الليبي إلى التأثير في مطالبها البحرية أو تقليص المساحات التي تعتبرها ضمن نطاق حقوقها الاقتصادية. ولهذا، فإن الخلاف لا يتعلق بمجرد خطوط مرسومة على الخرائط، بل يرتبط بمصالح اقتصادية طويلة الأجل، وبالقدرة على الوصول إلى الموارد الطبيعية وتحديد مستقبل مشروعات الطاقة في المنطقة.

وقد تتأثر أيضًا مشاريع الربط الطاقوي التي تسعى بعض دول شرق المتوسط إلى تطويرها، سواء تعلق الأمر بنقل الغاز الطبيعي أو إنشاء شبكات الربط الكهربائي. فاستمرار النزاع بشأن الاختصاصات البحرية يزيد من صعوبة بناء ترتيبات إقليمية مستقرة، ويجعل التعاون الاقتصادي أكثر ارتباطًا بالتفاهمات السياسية والقانونية بين الدول المعنية.

التقارب التركي مع شرق ليبيا: تحول في الحسابات السياسية

من أبرز التطورات المرتبطة بالمصادقة الأخيرة أنها جاءت من مجلس النواب الليبي الموجود في شرق البلاد، وهو المجلس الذي عارض الاتفاقية التركية الليبية لسنوات، في مرحلة كانت فيها تركيا تدعم حكومة طرابلس في مواجهة قوات خليفة حفتر.

ويشير هذا التحول إلى تغير في الحسابات السياسية لدى الأطراف الليبية، وإلى إدراك متزايد لأهمية بناء علاقات عملية مع تركيا، بالنظر إلى وزنها الإقليمي وقدراتها الاقتصادية والعسكرية. وقد شهدت السنوات الأخيرة تقاربًا تدريجيًا بين أنقرة والسلطات الموجودة في شرق ليبيا، من خلال زيارات متبادلة واتصالات رسمية وتوسع في العلاقات الاقتصادية.

ويعكس هذا التقارب محاولة تركية لتوسيع نطاق نفوذها داخل ليبيا وعدم حصر علاقاتها في المعسكر السياسي الموجود في طرابلس. كما يتيح للسلطات في شرق البلاد تنويع شراكاتها الخارجية، والاستفادة من الفرص الاستثمارية والتجارية التي يمكن أن توفرها العلاقات مع أنقرة.

وفي هذا الإطار، رحبت أطراف ليبية من الشرق والغرب بالمصادقة على الاتفاقية، معتبرة أنها قد تمثل مدخلًا لتعزيز المصالح الاقتصادية الليبية وتجاوز بعض الخلافات السابقة. كما اعتبرت السلطات الموجودة في طرابلس القرار تطورًا إيجابيًا في العلاقات مع تركيا، مع التأكيد على ضرورة أن يتم التعاون وفق قواعد القانون الدولي ومبادئه.

ومع ذلك، لا يعني التقارب التركي مع الأطراف الليبية المختلفة أن الانقسام السياسي والمؤسساتي في البلاد قد انتهى. فاستمرار تعدد مراكز السلطة يثير تساؤلات حول مدى قدرة المؤسسات الليبية على توحيد المواقف المتعلقة بالسياسة الخارجية، وضمان استمرارية الاتفاقات الاستراتيجية، وتفادي تحولها إلى موضوع جديد للتنافس الداخلي.

تداعيات إقليمية محتملة ومخاطر التصعيد الدبلوماسي

قد تسهم المصادقة الليبية على الاتفاقية في تعزيز موقع تركيا التفاوضي في شرق المتوسط، خاصة إذا أدت إلى توسيع التعاون مع السلطات الموجودة في شرق ليبيا. كما قد تشجع أنقرة على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع مختلف الأطراف الليبية، في محاولة لتثبيت حضورها بوصفها شريكًا رئيسيًا في مستقبل البلاد.

لكن في المقابل، فإن استمرار رفض اليونان والاتحاد الأوروبي ومصر وقبرص للاتفاقية قد يؤدي إلى تجدد التوترات الدبلوماسية، ويزيد من صعوبة التوصل إلى ترتيبات بحرية مقبولة لدى جميع الأطراف. وقد تنعكس هذه الخلافات على العلاقات الثنائية، وعلى التعاون في ملفات الطاقة والأمن البحري والهجرة والاستقرار الإقليمي.

ويظل خطر التصعيد مرتبطًا بمدى استعداد الأطراف المعنية للانتقال من تبادل المواقف السياسية إلى مفاوضات قانونية وفنية أكثر تفصيلًا. فغياب آلية مشتركة لتسوية الخلافات البحرية قد يؤدي إلى استمرار التنافس على مناطق التنقيب، أو إلى اعتراضات متبادلة على أنشطة الاستكشاف، بما يرفع احتمالات الاحتكاك الدبلوماسي وربما الميداني.

ومن هنا، فإن التحدي الأساسي لا يتمثل فقط في تثبيت الاتفاقية أو رفضها، بل في إيجاد صيغة تسمح بإدارة المطالب البحرية المتعارضة وفق قواعد واضحة، مع احترام الحقوق التي يقرها القانون الدولي للدول المعنية. وقد يشكل الحوار المباشر، إلى جانب الوسائل القانونية والدبلوماسية المتاحة، مدخلًا لتقليل التوترات وتجنب تحول شرق المتوسط إلى ساحة مواجهة مفتوحة.

 الاتفاقية البحرية اختبار جديد لتوازنات شرق المتوسط

تكشف تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن تمسك أنقرة بالاتفاقية البحرية مع ليبيا، ورفضها إخضاعها للاعتراضات الأوروبية والإقليمية، في وقت أعادت فيه مصادقة مجلس النواب الليبي فتح ملف ترسيم الحدود البحرية على نطاق واسع.

وتتجاوز أهمية هذا التطور الجدل القانوني حول الاتفاقية، إذ يرتبط بمستقبل النفوذ التركي في شرق المتوسط، وبالتنافس على الموارد الطبيعية، وبالتحولات التي تشهدها العلاقات بين أنقرة ومختلف مراكز السلطة في ليبيا. كما يسلط الضوء على الصعوبات التي تواجه بناء نظام إقليمي مستقر في منطقة تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات الأمنية والسياسية.

وفي المرحلة المقبلة، ستتوقف تداعيات القرار على قدرة الأطراف المعنية على إدارة خلافاتها دون تصعيد، وعلى مدى استعدادها للبحث عن ترتيبات قانونية ودبلوماسية تراعي المطالب المتعارضة. وبين تمسك تركيا بمصالحها البحرية ورفض اليونان والاتحاد الأوروبي للاتفاقية، يبقى شرق المتوسط أمام اختبار جديد يحدد جانبًا مهمًا من مستقبل التعاون الإقليمي في مجالات الطاقة والأمن والاستقرار.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق